أحمد بن محمد ابن عربشاه

504

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

العبادات هي في رقاب العباد أمانات ، ومن أعظمها وأهمها وأحكمها ؛ الإمرة ، والحكومة ، والتصدي لفصل الخصومة ، والسلطنة العلية ، وأمور الملك البهية ، والقيام بأمور الرعية . فيجب على السادة الحكام ومالكي أزمّة الأنام ، أن يراقبوا الله تعالى في كيفية أدائها ، ويطالبوا أنفسهم على ممر الأنفاس بالقيام بوفائها ، ويراعوا أوامر سلطان السلاطين في أمور عبيده المستضعفين خصوصا المظلوم والفقير ، والضعيف والمسكين ، فإذا عاملوا عباد الله بالعدل عاملهم الله عز وجل بالفضل ، قال الله المنان في محكم القرآن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] . وقال السيد الكامل والسند الفاضل أشرف الأواخر والأوائل ، صلى الله عليه صلاة تفنى البواكر والأصائل « 1 » : « سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل » « 2 » . بدأ في هذا الفصل من ذكر الصفات بالعدل ، والعدل يا ذا الوجه الخير الوسط ، والوسط هو الخير . قال من أمره قهر وسطا وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ [ البقرة : 143 ] . أي للأنبياء تشهدون لهم على أممهم لعدالة فيكم وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] . أي يزكيكم ، أي وكما جعلنا نبيكم إمام القبلتين حائز الفضيلتين ، جعلناكم حائزين خصلتين بالغين مرتبتين ؛ وهما كونكم عدو لا شهداء على الناس للأنبياء ، مقبولي الشهادة في الأداء ، وكون الرسول معدلكم وبتزكيته على الأمم مفضلكم ، وقال صلى الله عليه وسلم ، وشرف وكرم ، وفخم وعظم : « عدل السلطان يوما بعدل عبادة سبعين سنة » « 3 » . وقال عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام « والذي نفس محمد بيده أنه ليرفع للسلطان العادل إلى السماء ، مثل عمل جملة الرعية » .

--> ( 1 ) البواكر : مفرد البكرة وهي أول النهار والأصائل : مفرد الأصيل وهو آخره . ( 2 ) الحديث أخرجه الترمذي : كتاب الزهد ، باب ما جاء في الحب في الله ( 2391 ) من طريق أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه ، وقال : هذا حديث حسن صحيح . ( 3 ) الحديث : ذكره المتقى الهندي في كنز العمال ( 14624 ) وعزاه للطبراني في الكبير ، والبيهقي من طريق ابن عباس رضى اللّه عنه بلفظ « يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة »